التدخين والدماغ: ما يكشفه الطب النفسي عن الإدمان على النيكوتين

15/06/2026   Psikoloji   796  
Dr Yousra Jemli


التدخين والدماغ: ما يكشفه الطب النفسي عن الإدمان على النيكوتين

كثيراً ما يبدأ الإدمان على التبغ بإيماءة عابرة ,  سيجارة أولى تُشارَك بين الأصدقاء، أو فضول عابر، أو رغبة في الانتماء إلى مجموعة. غير أن وراء هذه البداية البريئة في ظاهرها، تنطلق آلية عصبية بيولوجية بالغة الكفاءة. إذ يصل النيكوتين إلى الدماغ في أقل من سبع ثوانٍ. وكلما كانت المادة أسرع وصولاً إلى الدماغ، ارتفعت قدرتها على إحداث الإدمان. وهذه السرعة بالذات هي ما يجعل النيكوتين من أكثر المواد المعروفة إدماناً.

حين يصل النيكوتين إلى الدماغ، يرتبط بمستقبلات مخصصة عادةً لمادة الأسيتيلكولين، فيُطلق كميات ضخمة من الدوبامين. فيشعر المدخّن آنذاك بالمتعة والطاقة والرضا والصفاء الذهني. يُسجّل الدماغ هذه الحالة ويسعى إلى إعادة إنتاجها. وتدريجياً، تتكاثر الارتباطات: تصبح السيجارة مقترنة بالاسترخاء والتركيز والوجبات ولحظات التوتر والمعاشرة الاجتماعية.

بيد أن الدماغ مُصمَّم على التكيّف. فمع تكرار التحفيز، تفقد المستقبلات النيكوتينية حساسيتها، فيستجيب الدماغ بخلق المزيد منها  وكلها تطالب بجرعتها من النيكوتين. ويجد المدخّن نفسه مضطراً إلى الزيادة في الاستهلاك لبلوغ الأثر ذاته. وفي الوقت نفسه، يُعاد تشكيل النظام الدوباميني: يغدو دائرة الإثابة أقل استجابةً للملذات الطبيعية كالطعام والعلاقات الاجتماعية والعمل وأكثر اتكاءً على النيكوتين لتشتغل. والإدمان ليس ضعفاً في الشخصية ولا عادةً سيئة: إنه مرض مزمن، تترافق معه تغييرات هيكلية ووظيفية قابلة للقياس في الدماغ، تظهر بوضوح في فحوصات الرنين المغناطيسي.

وحين ينخفض مستوى النيكوتين، تظهر أعراض الانسحاب: عصبية وتهيّج وصعوبة في التركيز وشعور عام بالانزعاج. فيُشعل المدخّن سيجارة ليشعر بالارتياح  لا لأنها تُهدّئه فعلاً، بل لأنها تُصلح مشكلة هي نفسها خلقتها. وهذا ما يُعرف بالتكييف السلبي: يُدخّن المرء في البداية طلباً للمتعة، ثم يُدخّن لاحقاً هرباً من المعاناة.

 

خصوصية الإدمان على التبغ

يتميز الإدمان على النيكوتين بخاصية تُفرّقه عن سائر الإدمانات: فأعراض الانسحاب الجسدية قصيرة نسبياً  بضعة أيام، ونادراً ما تتجاوز أسابيع قليلة. أما الرغبة النفسية فقد تستمر لسنوات. وهذا التناقض هو ما يُفسّر انتكاسة مدخّن ممتنع منذ أمد بعيد إثر سيجارة واحدة: إذ يمكن أن تُعاد إشارة دوائر الإثابة كلها في لحظة. يؤثر النيكوتين أيضاً في منظومات الدماغ المسؤولة عن إدارة التوتر، ويُلقي بظلاله على إفراز الكورتيزول، ويُضعف الفص الجبهي المسؤول عن ضبط النفس. وفي دماغ يعمل تحت تأثير النيكوتين، تعمل دوائر الإثابة والدافعية والتعلم بأقصى طاقتها، فيما يكاد مركز التحكم يكون خاملاً.

 

تفاوت في درجة الهشاشة

لا يتساوى الأفراد في مواجهة الإدمان. فالعوامل الجينية تُمثّل نحو 70 % من خطر الإصابة بالإدمان على النيكوتين عقب التعرض الأول، وتُفسّر كذلك قرابة 50 % من الفوارق في حدة أعراض الانسحاب وخطر الانتكاسة. وتُضاف إلى ذلك العوامل النفسية: إذ يواجه المصابون باكتئاب أو قلق أو اضطراب ثنائي القطب أو سواها من الاضطرابات النفسية عقبات إضافية حين يُحاولون الإقلاع. كما أن بعض سمات الشخصية  كالبحث عن الإثارة والاندفاعية وانخفاض تحمّل الإحباط  تزيد من القابلية للإدمان.

 

المراهقون: هشاشة مضاعفة

يُشكّل المراهقون فئة بالغة الضعف بصفة خاصة. فأدمغتهم لا تزال في طور النمو: دوائر الدافعية والبحث عن الإثابة تعمل بكامل طاقتها، في حين لا تبلغ دوائر التحكم وصنع القرار نضجها الكامل قبل سن الخامسة والعشرين تقريباً. بمعنى آخر، يمتلك المراهق مُحرّكاً متفجراً، لكن المكابح ليست مكتملة بعد والدوافع التي تدفع الشاب إلى تجربة سيجارته الأولى متعددة: الرغبة في الانتماء والقبول ضمن المجموعة، والبحث عن الاستقلالية أو صورة الناضج، والصعوبات الأسرية أو العاطفية، بل وربما أعراض اضطرابات نفسية لم يُكتشف بعد وتُشكّل طبيعة المحيط المعيشي : آباء يُدخّنون أو أصدقاء يُدخّنون  عاملاً مُضافاً ذا أثر بالغ.

تستلزم الوقاية لدى الشباب تواصلاً مُصاغاً وفق علم نفسهم. فالرسائل الخاصة بالعواقب البعيدة  كتقليص العمر بعشرين عاماً  لا تُحدث أثراً يُذكر في أدمغة مُوجَّهة نحو الحاضر. في المقابل، تستوقفهم التأثيرات الفورية والملموسة  رائحة الفم الكريهة، وتراجع الأداء الرياضي، والروائح العالقة. بيد أن الوقاية لا تقوم على التوعية وحدها: فهي تستلزم تدابير تنظيمية صارمة، من حظر البيع للقاصرين وفرض الضرائب على منتجات التبغ وتقييد إعلانها. وتسير تونس في هذا الاتجاه من خلال تحديث إطارها التشريعي المُعلَن، الذي يُتوقع أن يشمل أحكاماً تتعلق بالقاصرين والترويج لجميع منتجات التبغ.

 

أشكال استهلاك جديدة

تطورت سلوكيات الشباب بشكل لافت. ويُقدَّر عدد المراهقين المستهلكين لمنتجات التبغ في العالم بنحو 37 مليون، منهم قرابة 15 مليون يستخدمون السيجارة الإلكترونية. وهذه المنتجات، بنكهاتها المُصمَّمة للإغراء، غيّرت جذرياً طرق الدخول إلى عالم النيكوتين. وقد اتخذت دول عدة، كالولايات المتحدة، تدابير تنظيمية صارمة لضبط بعض هذه المنتجات أو حظرها، ولا سيما المنكّهات منها واليقظة التنظيمية إزاء هذه الأشكال الجديدة من الاستهلاك ضرورة حتمية لحماية الأجيال الأصغر سناً.


Arkadaşına gönder
sms viber whatsapp facebook

Découvrez notre application
pour une meilleure expérience !
Google Play
App Store
Huawei AppGallery
Ouvrir l'application